عبد المنعم الحفني
17
موسوعة القرآن العظيم
القرآن يخالف بعضه بعضا . وعند البخاري بطريق جندب بن عبد اللّه ، عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه » . وقد نهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن التمادي في الاختلاف ، لما يمكن أن يجرّه من الشر ، كما في قوله تعالى لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ( 101 ) ( المائدة ) ، والمسلمون مطالبون على ذلك بأن يقرءوا ويلزموا الائتلاف ، في الأداء وفي المعنى ، فإذا وقع الاختلاف ، أو عرض عارض شبهة يقتضى المنازعة الداعية إلى الافتراق ، يتركون القراءة ، ويتمسكون بالمحكم الموجب للألفة ، ويعرضون عن المتشابه المؤدى إلى الفرقة ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فاحذروهم » . وعند البخاري عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قرأ خلافها ، قال : فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « كلاكما محسن ، فاقرءا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم » . والمختلفون إذن ينبغي أن يتفرقوا إخوانا ، ويستمر كل منهم مع ذلك على قراءته . والاختلاف عن حق فيه خير ، وهو سعة للمسلمين . والأولى أن نحذر الفرقة لاختلاف الرأي ، وأن نلزم الجماعة والألفة ، وأن نتوسل بالنظر ، وندقق في الآية المختلف بشأنها ، ونتجنب اللجاج في التأويل وحمل القرآن على الرأي . * * * 10 . القرآن نزل على سبعة أحرف في الحديث : « أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف » ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم لما أقرأه جبريل القرآن ، اقرأه على حروف ، فظل يستزيده تيسيرا على الأمة ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف . ولقد أرسل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلى أمة أمّية ، فيهم الرجل ، والمرأة ، والجارية ، والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا ، والعجوز الكبيرة ، والغلام ، وما كانوا يطيقون ذلك لو قرءوا القرآن على أقل من سبعة أحرف ، والمقصود أن الأمّة بينها اختلاف في اللهجات والأصوات ، وطريقة الكلام ، وشهرة نطق بعض الألفاظ والتراكيب ، فلو أن القرآن قرئ بطريقة واحدة ونطق واحد ، لشقّ ذلك على الناس . وكانت الديانات قبل الإسلام تقرأ بحرف واحد ، لأن من نزلت عليهم كانوا أقواما مخصوصين ، وأما أمة الإسلام ففيهم العرب والعجم ، فلو كلّف الجميع أن يعدلوا عن لهجاتهم ، لكان في ذلك تكليفهم بأكثر مما في استطاعتهم ، فتنوعت لذلك القراءات ، وتنوّعها كان ضربا من البلاغة ، وذلك لأن القراءات على كثرتها لم تؤد إلى تناقض في المقروء ، ولا إلى تهافت في المعنى ، ولكنها صارت تصدّق بعضها بعضا ، وتبيّن بعضها بعضا ، وتشهد لبعضها البعض ، ودلّ ذلك أنه مهما تنوعت القراءات فإن الإعجاز واحد على كل حرف ووجه ولسان ، وأيّما حرف قرءوا